محمد شاب في الأربعينيات من عمره، وسيم حد الدهشة، له جسد قوي كالفولاذ المصقول، وعينين سوداوين لامعتين كشهابين سقطا من السماء في يوم غضب إلهي. وجنتين يكسوهما العنفوان وملامح توُحي بالصلابة لدرجة تفقد معها التصديق بأن صاحبها من أنبل وأطيب الناس. يدخل إلى أحد صفوف المدرسة الثانوية وهو يرتدي قميصه القرمزي الداكن الذي يزيد في وضوح اسمرار بشرته أكثر، يطلب من جميع طلابه الجلوس مبتسماً في وجه الجميع كعادته.

لقد كان محمد متواضعاً لدرجة أنه يستحي إن وقف طلاب الثانوية احتراماً له، كان يراهم شباباً لذا لم يكن يهتم لهذه التفاصيل مما جعل شعبيته في ثانويات المدينة تزداد بوصفه من أكثر الأساتذة تواضعاً وأرفعهم خلقاً وتهذيباً. ينُهي حصصه الدراسية ويركب دراجته النارية متوجهاً إلى الحي الشعبي حيث يعيش.

هناك حيث يطيب له السهر ولعب الطاولة والورق وتقاسم هموم الحياة مع الفقراء من أبناء حيه. يحمل طفلته الصغيرة التي لم تكن تشبهه ، كانت تشبه زوجته التي أَحب، ناصعة البياض كندفة ثلج ، وجه مستدير كقرص الشمس حينما يسقط في صدر نهر الفرات فيزداد لمعاناً ، يحملها متفاخراً ويقول: أنت وجه السعد في هذه العائلة ، يركض بها في كل مكان يلتقط لها الصور كيفما تحركت، إن بكت وإن ضحكت ، إن عطست لابد أن يلتقط لها صورة للحدث وما أن ينتهي الفيلم حتى يسرع إلى أبرع مصوري المدينة الأرمني العتيق بفن التصوير ليحمض الفيلم ويعود به إليها ليضحكا معاً…

يذهب إلى الفرن في الصباح الباكر لشراء الخبز فيحملها بعناية من سريرها ويأخذها وهي نائمة ، تستيقظ الطفلة على رائحة الخبز الساخن فتكون أول من يتذوقه من العائلة تبتسم لوالدها قائلة: خذني دورة على المطور على الجسر المعلق، خذني عل مدرستك …وتبدأ معركة التقبيل والمبارزة بين الأب وطفلته أيهما يقبل الآخر بحب أكثر . يعودان إلى البيت مع بضعة أرغفة من الخبز كانت وداد الصغيرة قد قضمت معظمها. تنام منهكة من الضحك ومضغ العجين الساخن. هو يعود إلى عمله، يصل ليله بنهاره ليعود إليها محملاً بأكياس المصاص والسكر اللذيذ، تنتظره على باب الدار في حر الظهيرة ، ترى انعكاس قرص الشمس على ثوبها الأبيض وحذاءها البلاستيكي وقد انزلقت أصابع قدميها المتعرقتين من الأمام لشدة ما تتأرجح وهي تمسك قبضة باب الدار المعدنية.

تراقب احمرار كفي يديها فتضحك ثم تشمُ رائحة النحاس الممزوج بالعرق وهو يتخلل أصابعها، تشمئز من الرائحة ولكنها في كل مرة تعود لتشمها مجدداً . تختبئ عندما تسمع صوت دراجة نارية تُقبل من الشارع المقابل لتتفاجئ أنه ليس والدها، تعود للخروج وتسأل أمها المنهمكة في المطبخ : شو الساعة أشو تأخر أبوي…تخاف عليه ولكنها بداخلها ترتاح لفكرة أنه قد يكون بمكان ما يشتري لها شيئا ً جديدا ً ربما، تتخيل ألواناً من الأطعمة لم تجربها..
حالة من الحب الأبوي والحنان يصعب وصفها ، يكاد لا يمر يوم لا تسمع فيه صوت الضحكات المنبعثة من الدار لتدرك فيما بعد أن كل ما في الأمر أن وداد الطفلة في حضن أبيها تروي له بعض النكاتـ، الأمر الذي بات يُقلق الأم المُهمَلة من قبل الأب الذي صارت وداد كل حياته.

حتى جاء اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه وداد شعرها الأسود الداكن المنُسدل برقة على الوجنتين الخمريتين، صارت كحبة ليمون معلقة بغصن رفيع لا يقوى على حملها… أصيبت وداد الجميلة بسرطان في الرأس أصاب الجميع بحالة من الذهول. لم يعد أحد يراها بدأ لونها يشحب تدريجياً ، كما بدأ وزنها بالانخفاض حتى برزت عظام وجهها وقفصها الصدري لدرجة تجعلك ترتعش من مجرد التفكير بضمها إلى صدرك خشية أن تهرس عظامها.

بدأت رحلة العلاج والمشقة، فالعائلة على موعد أسبوعي مع دفع مبلغ بالكاد يتم تجميعه يتم صرفه في أحد مشافي دمشق خلال أيام . ثم يعود الأب وابنته المحمولة على ذراعيه كدمية بلاسيتكية . يعودان إلى الحي الشعبي الفقير وسط نظرات الحزن واليأس . طمنا محمد شلون صارت البنت؟ يرد بصوت أقرب إلى الهمس : على الله شباب ، على الله. يدخل داره بهدوء اليائس ويغلق الباب على حكاية الوجع الممتدة من دير الزور إلى دمشق.

لا روائح طهي تنبعث من الدار ، هي روائح الدواء والمعقمات والسرطان القاتل وحسب. يوم الجمعة أجمل أيام العائلة وأحبها تحول إلى يوم للقهر والمعاناة حيث تبدأ الصغيرة بالتعب التدريجي ويعود لوجنتيها الشحوب ويبدأ الإقياء المتكرر لينتهي بها الأمر إلى التمدد أرضاً فتصرخ من شدة حرارة الأرض.

اقتربت النهاية بعد أشهر من العذاب كان الأب قد باع فيها كل ما بحوزته، حتى الدراجة النارية التي تحبها وداد باعها ، عمل سائق تاكسي بعد دوامه حتى بدأ النحول والإعياء يأكل جسده. لم يترك وسيلة ليمُني نفسه بأمل أن رحلة الشقاء ستنتهي بشفاء طفلته المدللة. ولكن هذه المرة قرر الأطباء إنهاء آماله فلم يعد مجُدياً تنقيل الطفلة فبضع أكياس من السيروم الموصولة بخراطيم إلى أنفها المدبب الصغير كانت كل ما تحتاجه للبقاء بضعة أيام أخرى على قيد الذكرى.

ماتت بصمت بين يدي الأب ، ضمها إلى صدره بقوة لم يفكر بعظامها الهشة هذه المرة ، بابا رحتي يا بابا، اللي يعزيني إنه ما راح تتوجعي بعد اليوم ، بس أنا اللي راح موت وراكي يا بابا….
أخذ الطفلة من فراشها وطلب من زوجته مشمع بلاستيكي، وضعه في أرض الحمام وسط ذهول الأم التي ظنت أن زوجها فقد عقله لامحالة، حملها وأرخى رأسها اللامع أولا ً على المشمع وأغلق الباب. لا صوت غير صوت المياه والبكاء، يُطرق باب الحمام بقوة ، يطلب منه الجميع الخروج فيرفض وينادي بصوت تقطعه العبرة : هاتي شرشف أبيض بسرعة ومنشفة. الأم الثكلى هي الأخرى يبدو أنها فقدت أعصابها بقيت متمترسة وراء الباب. يصرخ مجدداً فيأتي صوته كالبرق يتسلل من الباب المفتوح على الصدمة ..وداد على الأرض ممددة بجسدها النحيل كوردة أذلها المطر ، ويديها على صدرها ، استغرقت العملية دقائق لتكون وداد ملفوفة بالغطاء الأبيض وقد تُرك حراً من طرفيه ، حملها بين ذراعيه وفتح باب الدار وخرج . جاب بها عدة أحياء قبل أن يصل إلى المقبرة ووراءه حشد من الناس وسط صمت مقدس.

لا سيارة دفن ولا تابوت ولا تلاوة من الذكر الحكيم ولا نعوات، هم الشباب الذي يرونه في الأحياء يحمل ميتاً يبدو أنه طفل فيسوقهم الفضول تارة والتعاطف تارة إلى اللحاق به في طقس لا تراه إلا في الأفلام. يصلون إلى المقبرة يدفن الأب أجمل ما وهبه الله في حياته ويعود إلى بيته سيرا ً على الأقدام رافضا ً استئجار سيارة.. يعود للبيت الذي بدا موحشاً .

جدران حزينة وحدها ألعاب وداد تزين كل مكان , ثيابها تم تجميعها بمكان واحد في غرفة النوم يشمها كل ليلة قبل أن ينام ، أمضى السنة الأولى من حياته بعد وداد ناقماً على الفقر والظلم والاضطهاد ، ناقماً على سوء الرعاية الطبية في المدينة لمرضى السرطان وخصوصاً الأطفال، نشط في الكتابة وصار يكتب المقالات السياسية عن الاستبداد السياسي ، ونهب ثروات البلد من قبل الأسرة الحاكمة ، تحدث عن لعنة النفط في مدينة يرى أن نصف سكانها مهدد بالسرطان وبالسكري ولكنها بالمقابل من أفقر المدن .

انخرط في عمل سياسي سري مع مجموعة من الشباب يحثهم على ضرورة محاربة الفساد والظلم الواقع على سوريا وعلى أهل المدينة الفقيرة المغيبة. كان يقول لم يعد من العمر الكثير علينا أن نعمل لأولادنا لتأمين حياة أفضل لهم، وتطوير الواقع الخدمي في المدينة المسحوقة…حتى جاء اليوم الذي اقتادوه فيه ليعود بعدها إلى مدينته التي عشق بكيس أسود، ودفن في ليلة حالكة السواد بمرافقة المخابرات الجوية التي ظلت تحرس القبر لأيام خشية ان يفتحه أحد.. دفُن بجانب طفلته التي بدا قبرها كحديقة غناء لشدة ما كان يعتني به. أما قبره هو فكان حفرة تحيط بها البنادق من كل صوب تحسباً لإرهابي يفكر في أن يضع غصن ليمون واحد عليه، هو واحد من آلاف الشهداء من مدينة الشهداء الذين لا يعرف عن قصص استشهادهم أحد.