الان برامج السوري الحر متفرقات تقارير

كيف تضامنت رابطة العالم الإسلامي مع اليهود في ذكرى “المحرقة

يصادف يوم السابع والعشرين من كانون الثاني

يناير الذي هو الذكرى السنوية لتحرير معسكر “أوشفيتز” (للاعتقال والإبادة من قبل ألمانيا النازية) – “اليوم الدولي لإحياء ذكرى «المحرقة»”. ويحث قرار الأمم المتحدة – الذي أرسى الأساس لإحياء هذه الذكرى – جميع الدول على “وضع برامج تثقيفية لغرس ذكرى المأساة في نفوس الأجيال المقبلة لمنع وقوع إبادة جماعية مرة أخرى”. وقد اتخذت المملكة العربية السعودية خطوة أولى هامة نحو الوفاء بهذه المهمة

 

 

يبدو أن التغيير داخل “رابطة العالم الإسلامي” بدأ بتعيين العيسى في آب/أغسطس 2016. وكان قد شغل سابقاً منصب وزير العدل السعودي. وحيث يأخذ قيادته من ولي العهد الحالي محمد بن سلمان، الذي تعهد بتطهير بلده من التطرف وإعادته إلى “الإسلام المعتدل”، يبدو أن العيسى يتمتع بصلاحية محددة لتحويل “رابطة العالم الإسلامي” من منظمة مرادفة للتطرف إلى منظمة تُبشر بالتسامح

وما لا يقل أهمية هو أن العيسى قد وعد بإعادة تشكيل “رابطة العالم الإسلامي” وتحويلها إلى منظمة تركز على الدين فقط، مع استبعادها تماماً عن السياسة، باستثناء سياسات مكافحة التطرف

وكذالك في المغرب (حيث أيّد شقيق العاهل المغربي مؤخراً تدريس “المحرقة” كأداة مهمة في المعركة ضد التطرف) وفي تونس (حيث يعقد المجتمع المدني هذا الأسبوع مراسم “يوم ذكرى المحرقة

النص الكامل لرسالة رئيس “رابطة العالم الإسلامي” الى  مديرة المتحف التذكاري لـ”لهولوكوست” حول ذكرى “المحرقة”

تم إرسال هذه الرسالة إلى سارة بلومفيلد، مديرة المتحف التذكاري للهولوكوست في الولايات المتحدة الأميركية، عبر البريد الإلكتروني في الثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير 2018. 

حضرة السيدة بلومفيلد،

يسرّني أن أتوجه إليك بهذه الرسالة بمناسبة الذكرى الدولية للمحرقة اليهودية (“الهولوكوست”) التي يُحتفل خلالها بالذكرى السنوية لتحرير معتقل أوشفيتز. وأود في هذه المناسبة أن أؤكد لك ما قلته لصديقي روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لـ”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” بشأن تعاطفنا الشديد مع ضحايا “الهولوكوست”، تلك الحادثة التي هزّت البشرية في العمق وأسفرت عن فظائع يعجز أي إنسان منصف ومحبّ للعدل والسلام أن ينكرها أو يستهين بها.

لا التاريخ سينسى هذه المأساة الإنسانية التي ارتكبتها النازية الشريرة، ولا أحد سيمنحها مباركته ما عدا النازيين المجرمين وأمثالهم. إن الإسلام الحقيقي يحرّم هذه الجرائم ويدينها بأقصى درجات العقوبات الجنائية ويصنّفها ضمن أقبح الفظائع الإنسانية على الإطلاق. فأي امرئٍ عاقل يمكن أن يتقبّل أو يتعاطف أو حتى يقلل من حجم هذه الجريمة الوحشية؟ عزاؤنا الوحيد هو أن ذاكرة التاريخ منصفة وحيّة وأن العدالة، باسم البشرية جمعاء، تحزن وتأسف على هذه الجريمة بعيدًا عن كل التحيزات. لقد دفع هؤلاء الضحايا حياتهم البريئة ثمن تذكيرٍ لا يُنسى بالحرية والعزم، فكانت تضحيتهم نموذجا يعكس مدى الحقد النازي الذي أوقع العالم في الحروب والكوارث.

التاريخ لا يعرف الانحياز مهما حاول المخادعون التلاعب أو العبث به. ومن هنا، نعتبر أن أي إنكار للهولوكوست أو تقليلٍ من تأثيراتها هو جريمة تشويه للتاريخ وإهانة لكرامة الأرواح البريئة التي أزهقت، لا بل هو إساءة لنا جميعًا لأننا جميعنا ننتمي إلى الروح البشرية نفسها ونتقاسم الروابط الروحانية نفسها.

وفي هذا الإطار، أود أن ألفت إلى أن «رابطة العالم الإسلامي» كيان مستقل تماما عن كافة الغايات والميول السياسية وخلاف ذلك. ومع ذلك، فهي لا تتردد في التعبيرعن رأيها بموضوعية تامة وبحيادية لا تحمل أي طابع سياسي بتاتًا. إن الرابطة تعالج المواضيع وتحكم عليها بشفافية وبدون أية أحكام مسبقة. ونحن في الرابطة لا نُعرب عن وجهات نظرنا إستنادا إلى أية أبعاد سوى البعد الإنساني البحت المتعلق بالأرواح البريئة، فالإسلام يحمي الأبرياء ويحاسب كل من يعتدي أو يقتل نفسًا بريئة كأنما قتل الناس جميعاً.

لقد تعايش الإسلام على مرّ القرون مع كافة الأديان الأخرى واحترم كرامة أتباعها كافة. ونحن على يقين أن جميع الأديان على مر التاريخ شهدت شعائر سياسية استغلت الدين لتحقيق مآربها ومطامعها. ولكن الأديان بريئة من هذه المخططات.

نجم عن ذلك اندلاع حروب غير مبررة أو منصفة وأريقت دماء، ولا تزال تراق، وكل ذلك باسم الدين. لكن شريعة الخالق حملت السلام والحب والعدل والحق. في المقابل نجد على مر التاريخ أن المتطرفين من كافة الأديان ينشطون من وقتٍ إلى آخر كالمدّ والجزر. نراهم يعلنون كراهيتهم للآخرين، حتى لأبناء ديانتهم. نحن المسلمون شهدنا العديد من الإرهابيين الذين حاولوا تزييف النصوص الدينية وتشويهها وتحريف وقائعها التاريخية. لقد قلناها في السابق ونكررها اليوم: لا توجد سلطة على الأديان إلا سلطة النصوص الدينية الصحيحة البعيدة عن التفسيرات المضلّلة والخاطئة والمحرّفة. لا يجوز الاتكال سوى على الأنبياء والرسل المنتمين إلى كافة الأديان، فهم حملوا رسالة خالق تلك الأديان. لقد جاء دين الله رحمةً للعالمين، ولم يأتِهم ليكون سببًا في تعاستهم أو مبررًا للحروب والمصائب.

وفي الختام، تفضلوا بقبول فائق احترامي وتقديري.

الدكتور محمد العيسى
أمين عام “رابطة العالم الإسلامي”
رئيس “الهيئة العالمية للعلماء المسلمين”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *