تأتي المعارك المحتدمة في دير الزور السورية ضمن سباق جيوسياسي بأدوات عسكرية، قيّض لها أن ترسم نهاية تنظيم الدولة الإسلامية وخواتيم الصراع على الثروة النفطية والمعابر الإستراتيجية مع العراق، وتحدد ملامح سويا المستقبلية والإقليم بشكل عام.

فبعد أن خفتت المعارك التي كانت مستعرة في معظم أرجاء سوريا -بما فيها الرقة– في انتظار حلّ سياسي وتوافقات لم تتضح معالمها بعد، بقيت دير الزور (شرقي سوريا) بؤرة مشتعلة ومضمار سباق رئيسي بين أطراف الصراع.

والمحافظة -التي تبلغ مساحتها نحو 33 ألف كيلومتر مربع، وتشكل 17% من مساحة سوريا- تعد خزانا غنيا بالموارد النفطية والغاز، إذ تحتوي على نحو 40% من ثروة البلد النفطية وفق بعض التقديرات، إضافة إلى أنها موطن الزراعات الإستراتيجية الكبرى من القمح والقطن وغيرها.

وتلاصق دير الزور محافظة الحسكة من الشمال ومحافظة الرقة من الشمال الغربي ومحافظةحمص من الجنوب الغربي، مما يجعلها منفتحة على وسط سوريا (البادية والقلمون الشرقي)، وعلى الشمال الشرقي والشمال الأوسط.

وانحصر الصراع على المحافظة بين  قوات سوريا الديمقراطية المسنودة أميركيًا، وقوات النظام وحلفائه بإسناد روسي، وتنظيم الدولة الذي تلاشى في الرقة وبقيت مراكز نفوذه الأخيرة في بعض أحياء مدينة دير الزور وبعض أرياف المحافظة في الشمال والشرق، خصوصا مدينة البوكمالالحدودية بعد فقدانه الميادين لفائدة قوات النظام.

الاحداث :

وعلى غير المتوقع، لم تكن الرقة -عاصمة “دولة الخلافة”- المعقل الأخير لتنظيم الدولة، فقد حسم التحالف أمر عاصمة البغدادي عسكريا وباتفاق مع تنظيم الدولة، وذلك بالتزامن مع اشتداد معارك دير الزور واقتراب قوات النظام من الضفة الشرقية لنهر الفرات، وهو ما رأت فيه روسيا “مؤامرة” أميركية تستعمل فيها تنظيم الدولة لإبطاء قوات النظام وحلفائه في معارك دير الزور.

وعمليا لم يعد لتنظيم الدولة وجود مركّز على الأراضي السورية إلا في بعض أحياء مدينة دير الزور ومواقع في ريفها الشرقي والشمالي، ويبقى معقله الرئيسي في مدينة البوكمال على الحدود العراقية، إذا ما استثنينا مفارز في مخيم اليرموك والحجر الأسود في دمشق ومحافظة درعا(جيش خالد بن الوليد).

وبانتهاء هذه المعارك في دير الزور -وخاصة في البوكمال- سينتهي تنظيم الدولة وجوديا في سوريا. ومع تقدم القوات العراقية  صوب مدينة القائم، ستكون نهاية “دولة الخلافة” التي سيطرت في وقت ما على أكثر من 60% من أراضي العراق وسوريا وعلى جزء كبير من ثرواتهما.

وإن كان الهدف الرئيسي من العمليات التي تشنها قوات النظام وروسيا أو التحالف الأميركي الكردي هو إنهاء تنظيم الدولة، فإنه يخفي وراءه أهدافا عديدة أكبر وأثمن، أهمها السيطرة على الثروات النفطية والحدود.