كشفت وكالة “رويترز” عبر تقرير لها، الخميس، كيف عرقل نظام الأسد عمل مفتشي الأسلحة الكيميائية، وكيف فشل المجتمع الدولي في محاسبته، وذلك عبر شهاداتو مقابلات مع مسؤولين ودبلوماسيين ومحققين، كان لهم دور في التخلص من أسلحة الدمار الشامل التاعبة للنظام السوري.

عرقلة عمل المنظمة

بعد الاتفاق الروسي الأميركي على تدمير الترسانة النووية السورية عام 2013، أعلن نظام الأسد أن لديه 1300 طن من الأسلحة الكيميائية أو المخزونات الكيميائية الصناعية، وهي تقريبًا الكمية التي قدرها خبراء خارجيون لكن في عملية قادتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
لكن كان ثمة مشكلتان رئيسيتان؛ أولًا لم تسر عمليات التفتيش بيسر وسهولة، فبعد أيام من هجوم السارين في الغوطة تعرض مفتشو المنظمة المتجهون إلى المنطقة لنيران قناصة، قبل أن يصل المفتشون إلى الغوطة في نهاية المطاف، وهناك أمهلتهم السلطات السورية ساعتين فقط لمقابلة الشهود وأخذ العينات. وأكد الفريق، أخيرًا، استخدام غاز السارين.
وذكرت المصادر، أن فريق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أجرى 18 زيارة لمواقع منذ 2013، لكنه الآن توقف فعليًّا، لأن سورية لم تقدم معلومات كافية أو دقيقة.

الكلور السام
أمّا المشكلة الثانية، فكانت تغيير تكتيكات قوات النظام. وفي هذا السياق، قال مفتشان، إن الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ركزتا على التخلص من المخزون الذي اعترفت سورية بامتلاكه، بينما شرعت قوات الأسد في استخدام قنابل كلور جديدة بدائية الصنع، إذ أفادا بإسقاط ما يصل إلى 100 برميل متفجر بغاز الكلور من طائرات هليكوبتر منذ 2014.
وغاز الكلور أقل سمية من غاز الأعصاب، ويتوفر على نطاق واسع، لكن استخدامه كسلاح محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية التي وقعت عليها سورية عند انضمامها لمنظمة الأسلحة الكيميائية عام 2013، وهي وكالة بين الحكومات تعمل مع الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاقية.
وقال مصدر مشارك في مراقبة أسلحة سورية الكيميائية لصالح منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إن دمشق شرعت في استخدام الكلور “كسلاح ترويع” حتى تكون لها اليد العليا في ساحة المعركة، عندما كانت إحدى قواعدها في كفر زيتا مهددة بالاجتياح في 2014.

وقال مسؤول عمل مع الأمم المتحدة ومفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية “إن سربين لطائرات الهليكوبتر، أسقطا براميل متفجرة بغاز الكلور وأسطوانات مليئة بعبوات الكلور من قاعدتين جويتين”. وأضاف أن إنتاج مثل هذه الكمية استلزم حتمًا طاقمًا فنيًّا ودعمًا لوجستيًّا، ما يشير إلى أن العملية كانت تحت إشراف قادة كبار.
وذكر المصدر الذي شارك في دراسة الأسلحة الكيميائية السورية، لصالح منظمة الأسلحة الكيميائية، أن البدء في استخدام نوع جديد من الأسلحة الكيميائية جاء في وقت حرج للمنظمة.
ووقعت عشرات الهجمات التي استُخدم فيها الكلور، وعلى الأقل هجوم واحد استُخدم فيه غاز السارين منذ عام 2013، الأمر الذي تسبب في أكثر من 200 حالة وفاة وإصابة المئات، ويقول المفتشون الدوليون، إن تقارير وردت عن أكثر من 100 واقعة استخدمت فيها أسلحة كيميائية في العامين الأخيرين وحدهما.

الأسد خدع العالم
وفي وقتٍ تجنب النظام السوري ضربات جوية أميركية، من خلال الوعد الذي قطعه على نفسه عام 2013، أن يتخلى عمّا لديه من أسلحة كيميائية، يعتقد كثير من الدبلوماسيين ومن مفتشي الأسلحة الآن أن هذا الوعد لم يكن إلا خدعة. ويشتبه هؤلاء بأن نظام بشار الأسد، بدا بمظهر المتعاون مع المفتشين الدوليين بينما احتفظ سرًّا بقدرات لامتلاك أسلحة كيميائية جديدة أو طورها.
ومن خلال سرد تفاصيل أخرى لعملية تفتيش منشآت النظام الكيماوية، رافق ضابط سوري برتبة لواء فريقًا صغيرًا من مفتشي الأسلحة الكيميائية إلى مخزن يقع خارج العاصمة السورية دمشق،في نهاية صيف عام 2015، وبحسب مطلعين، كان الخبراء الدوليون يريدون فحص الموقع، لكن طلب منهم الانتظار في السيارة، ليتبين في نهاية الأمر، أن المبنى خال، ولم يجدوا أي أثر لمواد كيميائية محظور استخدامها. 
والسؤال لماذا طلب من المفتشين الانتظار؟ ففي حين زعم الجانب السوري أنه كان يحصل على الموافقات اللازمة لإدخالهم، إلا أن المفتشين رجحوا أنه كانت تتم خلال فترة انتظارهم، عملية تطهير المكان من أي أثر كيميائي جارية، إذ لم يبد منطقيًّا للفريق أن يتطلب الأمر موافقة خاصة للسماح بدخولهم إلى مبنى خال.

 

بيانات مزورة
وكشف المحققون أنفسهم، فضلًا عن مصادر دبلوماسية أخرى، لـ”رويترز” معلومات ذات أهمية؛ فما قدمه النظام السوري من بيانات عن أنواع الكيميائيات التي امتلكها وكمياتها لا تتطابق مع الأدلة التي كشف عنها المفتشون في الواقع؛ فعلى سبيل المثال: لم يذكر في إفصاحاتها استخدام السارين؛ على الرغم من أن ثمة أدلة قوية على أن السارين استُخدم في سورية، بل إنه استخدم العام الجاري في خان شيخون. 
وعثر المفتشون على مواد كيميائية أخرى لم يتم الإفصاح عنها، ومن بينها آثار غاز الأعصاب (في.إكس)، والريسين السام، ومادة كيميائية يطلق عليها اسم هكسامين، تستخدم في تثبيت السارين.
وخلال عامي 2014-2015، أبلغت سورية المفتشين أنها استخدمت 15 طنًّا من غاز الأعصاب، و70 طنًّا من خردل الكبريت في إجراء أبحاث، غير أن المحققين يعتقدون أن تلك الكميات ليست لها “مصداقية علمية”، على اعتبار أن “الأبحاث لا تتطلب سوى جزء يسير من هذه الكميات”، كما يقول مصدران شاركا في عمليات التفتيش في سورية.

مصير  مجهول لـ 2000 قذيفة كيميائية
وعلاوة على ذلك، لا يزال مصير 2000 قذيفة كيميائية مجهولاً، قال النظام إنه قد تم تحويلها إلى أسلحة تقليدية، واستخدمت أو تم تدميرها؛ الأمر الذي يشير إلى أنها ربما لا تزال في أيدي قوات النظام.
وفي السياق، ذكرت ثلاثة مصادر على صلة مباشر بالأمر لـ”رويترز”، إن مسؤولين عسكريين سوريين طلبوا من شهود على علم ببرنامج الأسلحة الكيميائية في دمشق، تغيير أقوالهم أثناء المقابلات مع المفتشين. 

أسئلة بلا إجابة
وأقرّ رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي الجهة الدولية المنوط بها الإشراف على التخلص من الأسلحة الكيميائية السورية وتدميرها، أن أسئلة لها خطورتها لا تزال بلا إجابة، عن مدى اكتمال الإفصاحات السورية ودقتها.
وقال المدير العام للمنظمة، الدبلوماسي التركي أحمد أوزومجو، للوكالة “أعلنوا عن 2000 قذيفة جوية لم تكن معبأة/ لكنهم زعموا أنها عُدلت لغرض الاستخدام كأسلحة تقليدية. ولم نتمكن من رؤية أي عينة منها، وهذا السؤال ما زال مفتوحًا معهم، وزعموا أنها استخدمت لأغراض تقليدية”. 
لكنه رفض انتقادات وجهتها كين (كبيرة ممثلي الأمم المتحدة في نزع الأسلحة)، وبعض الدبلوماسيين الآخرين لأسلوب قيادته للمنظمة، إذ اعتبرت كين، في حديثها مع الوكالة، أنه كان يجب على أوزومجو أن يعمل على زيادة الضغط على سورية في ما يتعلق بالثغرات في إفصاحاتها وأن يبذل المزيد من الجهد في دعم مفتشيه.
 وردّ أوزومجو قائلًا، إنه ليس من واجبات وظيفته أن يضمن “الالتزام الكامل” بالمعاهدات الخاصة بالأسلحة الكيميائية، والمنظمة مكلّفة بتأكيد استخدام الأسلحة الكيميائية، لا بتحديد المسؤول عن ذلك.
وكانت المنظمة حريصة على التخلص من مخزون سورية المعلن، لكنها ابتعدت، في الوقت نفسه، عن بدء تحقيق بشأن انتهاكات للنظام، مما قد يجعل تعاون دمشق “في مهب الريح”، بحسب تعبير الوكالة.
وأشار المصدر إلى أن هدف التخلص من المخزون، الذي خشيت حكومات غربية أن يسقط في أيدي تنظيم “داعش”، كانت له الأولوية على هجمات الكلور.