بينما كانت الثورة السورية تكتب نهايتها في نيسان 2013، وهي تُهمل قلم دانيال بايبس، الذي رمى الى العلن “بالون اختبار” خطر للغاية، حين دعا إدارة باراك أوباما الى تقديم ما يلزم من مساعدات لبشار الأسد، حتى لا يسقط، بعدما ظهرت إمارات الهزيمة عليه وعلى نظامه.

لم تتفاعل المعارضة السورية مع ما انتهى اليه دانيال بايبس – وهو من المنظرين الأساسيين لدى بنيامين نتنياهو- من توصيات. سخرت منه. كانت تنصت الى وعود تصلها من جون كيري، وتعد الأيام المعدودات التي سبق وتحدث عنها الرئيس الأميريكي السابق باراك أوباما، مرارا وتكرار، عندما يسأل عن مصير بشار الأسد.

قادة بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني ، على عكس المعارضة السورية ، تفاعلوا مع المنحى الذي اقترحه دانيال بايبس، فرفع النظام السوري من مستوى إجرامه حتى وصل الى تكثيف استعمال السلاح الكيميائي، في حين أقحم ” الحرس الثوري الإيراني” أدواته اللبنانية والعراقية واليمنية والباكستانية في المعركة. بدا لكل من الأسد وإيران، أن رفع منسوب الجريمة في التصدي للثورة المشتعلة في سوريا لن تكون له عواقب سلبية، بل سيكون “مباركا” من كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميريكية، على اعتبار أن هاتين الدولتين المؤثرتين في مجريات الأمور في الشرق الأوسط، ستشكلان مظلة واقية للجرائم، مهما أوغلت في وحشيتها وبربريتها.

ومنذ نيسان 2013، بدأت موازين القوى تنقلب في سوريا.

فجأة، بدأ المحور العربي والإسلامي المؤيد للثورة السورية، ينقسم على نفسه، ويعيش في أزمة غير مسبوقة من التناحر الميداني والسياسي والدبلوماسي.

وفجأة، بدأ بشار الأسد، من خلال ميليشيات الحرس الثوري الإيراني، يحقق انتصارات ميدانية متتالية، ولا سيما في دمشق ومحيطها وريفها، بحيث بات على قاب قوسين أو أدنى، من توفير جسم صلب في قلب سوريا، الأمر الذي لا يمكنه من الإفادة من العمق الإستراتيجي اللبناني فحسب، بل يوفّر له التهديد بإقامة دولة الأقليات المقتطعة من سوريا الطبيعية، ايضا.

دخول “حزب الله” الى سوريا ومعه سائر ميليشيات الحرس الثوري الإيراني، لم يكن، والحالة هذه إلا بناء على رضى أميريكي- إسرائيلي، حيث برزت الرغبة قوية لمنع بشار الأسد من السقوط، ولمنع الحرب الدائرة في سوريا من أن تصل الى نهاية.

قال أوباما بالحرف، في الخامس من آذار 2013 ..

“أنا دائماً أستمتع بمرارة بعبارة أنّ إيران بطريقة أو بأخرى انتصرت في سوريا، هذا يستنزفهم لأنه عليهم إرسال مليارات الدولارات، فيما وكيلهم الرئيسي، حزب الله، الذي كان لديه موقع قوي ومريح في لبنان، يجد نفسه اليوم مهاجماً من قبل المتطرفين السنّة، وهذا ليس جيداً لإيران. هم يخسرون بقدر أي شخص آخر، والروس يجدون صديقهم الوحيد في المنطقة وسط الأنقاض وفاقداً للشرعية”.

كان هذا الموقف ترجمة مباشرة لما سبق وكتبه دانيال بايبس، ولكن بلغة “مسؤولة”.

كتب بايبس، في 11 نيسان 2013، بين ما كتبه الآتي:

“يجب على الحكومات الغربية أن تدعم النظام الديكتاتورى الخبيث لبشار الأسد المنطق الذى دفعنى لتقديم هذا الاقتراح هو أن قوى الشر عندما تحارب بعضها بعضاً تصبح أقل خطراً علينا، مما يجعلها أولاً تنشغل بأوضاعها المحلية، ويمنع ثانياً أياً منها من تحقيق انتصار يُشكل خطراً أكبر علينا. يجب على القوى الغربية أن تدفع الأعداء إلى طريق مسدود، وذلك بدعم أى طرف يخسر أثناء المعركة لجعل الصراع بينهما يطول أكثر وأكثر، لينتهى بنهايتهم، عملاً بمقولة هنرى كيسنجر الشهيرة أتمنى أن يخسر الفريقان!”

عندما قدم بايبس إقتراحه، رفعتُ في هذه الزاوية الصوت عاليا، طالبا من المعارضة التحرك. ما حصل أنني، وضنّا بدماء السوريين وبتضحيات الثوار، دفعتُ الثمن معنويا، إذ اعتبُرت صرختي تهديدا بقتل بايبس.قد تكون كذلك، ولكنها كانت تهدف حصرا الى لفت الإنتباه، على اعتبار أن اللغة العربية لا تُقرأ، إن كُتبت بالقلم، بل إن هي كُتبت بخنجر!

لاحقا، تبيّن لي، بنقاشات سياسية شملت معارضين سوريين، أن غباء المعارضة يسحق كل التضحيات ويُقدم مساحة حرة لإجرام بشار الأسد.

إلّا أن الإعتقاد بأن البيت الأبيض قد تبنّى مقترح دانيال بايبس المبارك إسرائيليا، بطبيعة الحال، لا يعني بأن بشار الأسد و”حزب الله” يحققان انتصارات في سوريا، بل هما يحققان إنجازات تعينهما على مواصلة حروبهما على الشعب السوري، لأنه في اللحظة التي يمكن أن تظهر فيها المعارضة في وضعية الآيلة الى الهزيمة، سوف تُرفد بعوامل القوة اللازمة، من أجل أن تحقق انتصارات ميدانية تعينها على مواصلة الحرب.

وبهذا المعنى، فإنّ الحسم في سوريا ممنوع، وبالتالي فإن الموت مستمر والنزوح مستمر والتدمير مستمر.