هل من فاعل خيرٍ يدلني على السوق، أريد أن أختار سيدة تليق بفستان أمي، فهو معروض الآن في مزاد بيع الضمائر والتعفيش. ثوب أمي له رائحة مميزة، فقد أسبلت أطرافه فوق تراب عين الفيجة، وتَعَشَّقَت ذراته بين ثنايا الزركشة. هو ثوب أمٍّ لشهيدين ومربيةٍ قلّما مرَّ قلم التاريخ على أمثالها”.

هذا ما كتبه ناصر يوسف (46 سنة)، بحسب صحيفة “الحياة” (link is external)، وهو مستشار مالي مُغترب من أبناء عين الفيجة مقيم في بريطانيا، على صفحته على موقع التواصل “فيس بوك” بعد أن رأى صوراً على شبكات التواصل الاجتماعي لثوب “أخضر بلون الغار” عائد لوالدته “الحاجّة” معروضاً للبيع على إحدى بسطات التعفيش بدمشق إلى جانب ملابس وحاجات أخرى لأهالي وادي بردى.

والأزياء التقليدية لنساء وادي بردى “فريدة لا تُخطئها العين”، إذ يغطّيْنَ رؤوسهنّ بـ “غطوات” طويلة بيضاء تحتها “عَصْبَات” أرجوانية أو كستنائية، ويرتدين “سراكس”  (أثواب طويلة فضفاضة ملونة) مطّرزة من المخمل والتريفيرا.

السرقة مستمرة

دخان “التنحيس” لا يزال يتصاعد شرق وادي بردى الواقع شمال غربي دمشق حيث توجد القريتان المفرغتان من سكّانهما والمُغلقتان: عين الفيجة وبَسِّيمة. ولا يزال دوي تفجير المباني بالألغام في القريتين يهزّ مسامع سكان الوادي.

وتُظهِر الصور القليلة المسرّبة من هناك ما يسمى “قوات النخبة” من الحرس الجمهوري تقوم بـ”التعفيش” وقطع الأشجار وتجريف الأراضي.

وتحوّلت القريتان إلى رُكام بعد المعركة الأخيرة (23 ديسمبر/كانون الأول 2016 – 29  يناير/كانون الثاني2017) بين جيش نظام الأسد والمليشيات الطائفية المقاتلة معه من جهة، وتحالف لفصائل معارضة أغلب عناصرها من أبناء المنطقة وعموم الريف الدمشقي.

لم يعلم الضابط أو أيّ من رؤسائه بأمر مولد كهرباء ضخم مخفي في أحد مطاعم عين الفيجة. اشترى صاحب المطعم المولد عام 2009 بـ 5 ملايين ليرة سورية (100 ألف دولار الدولار حينها بـ 50 ل. س). ولكن حين عرف الجنود ذوو الرتب الدنيا بأمره، استدعوا سرّاً تاجر خردة من قرية مجاورة وعرضوا عليه شراء المولد بـ 300 ألف ليرة سورية 580 دولاراً، (الدولار اليوم بـ 517 ل.س).

وليتجنّب تاجر الخردة “عار” شراء المسروقات من قرية جارة، قال إن المولّدات ليست ضمن اهتماماته. فما كان من العساكر إلا أن حطّموا المولد وأخرجوا النحاس منه ليبيعوه للتاجر بـ 10 آلاف ليرة سورية (19.34 دولار)! ويقدّر سعر النحاس بحوالى 7500 ل. س (14.50 دولار) للكيلوغرام.

ولا يزال معظمُ مراسلي إعلام النظام والإعلام الموالي له شهوداً صامتين على قوافل “التعفيش” و”التنحيس” التي لا تزال تخرج من القريتين باتجاه العاصمة وضواحيها.

تحريق وتفحيم

“التعفيش” لفظ مشتق من العفْش، أي الأثاث، وتعني قيام جيش النظام وأعوانه بتفريغ المنازل والعقارات الخاصة والعامة من محتوياتها، بما فيها الأبواب والنوافذ وخزانات المياه والوقود. ثم يتم بيع المنهوبات بإشراف مافيا منظمة تابعة لشخصيات متنفذة داخل النظام في أسواق تسمّى في العموم “أسواق السُنّة” لأن أغلب بضائعها منهوبات عائدة لسكان مسلمين سُنّة دمّرت قوات النظام وميليشيا “حزب الله” مناطقهم وهجّرتهم وقتلت منهم كما حدث في قريتي إفرة وهْرِيْرة المجاورتين العام الماضي.

وتوافق أهالي الوادي على ألفاظ أخرى لعمليات يقوم بها الجيش مثل “التحريق”، و”التفحيم”. ويشير “التحريق” إلى إحراق المطابخ والحمامات لفصل السيراميك والرخام عن الجدران بحيث تكون القطعة منها سليمة يمكن بيعها على أنها جديدة.

بينما يشير “التفحيم” إلى قطع الأشجار وحرقها لبيعها فحماً حيث يقوم جيش النظام في عين الفيجة بقطع الأشجار التي وصل ثمن الطن الواحد منها إلى أكثر من 60 ألف ليرة سورية (116 دولاراً) في ظل شُحّ الغاز والديزل لأغراض الطبخ والتدفئة وارتفاع أسعارها.

والفيجة وبَسِّيمة المتجاورتان مقصدان سياحيان لسكان العاصمة وضواحيها وتبعُدان عن دمشق نحو 18 كيلومتراً إلى الشمال الغربي، وعن الحدود السورية- اللبنانية نحو 12 كيلومتراً. وناحية عين الفيجة مركز لعدد من القرى بلغ عدد سكانها 19584 نسمة بحسب الإحصاءات الرسمية لعام 2004. فيما بلغ عدد سكان بَسِّيمة في العام ذاته 2812 نسمة وهي تتبع إدارياً لناحية قدسيا.